‏إظهار الرسائل ذات التسميات التفكير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التفكير. إظهار كافة الرسائل

السبت، 6 يوليو 2013

أسس منهجية المفكر

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ المرسلين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً.

إخوتي وأخواتي من عائلةِ مفكر، يسعدني أن ألتقي بكم اليوم ضمن فعالياتِ المؤتمرِ الأول لطلبةِ مفكر وأود بدايةً التقدمَ بالشكرِ لأصحابِ الفكرة والقائمين عليها ولكلِ من بذل الجهدَ والوقتَ لإنجاحِ هذا المؤتمر.. كما أشكرُ السادةَ الحضور على متابعتهم ومشاركاتهم خلال الفعالياتِ السابقة. ويسعدني أن أشارككم اليوم بإدارة حلقةِ حوارٍ حولَ الأسسِ المنهجيةِ للمفكرِ ستبدأُ الحلقةُ بعرضِ كلمةٍ يُطرحُ مِن خلالِها بعضَ الأُسُسِ التي نعتقدُ بأهميتها للوصولِ لمنهجيةٍ صحيحة. يليها نقاشٌ لما وردَ من أفكارٍ خلال هذا الطرح. ونظراً لطبيعةِ الفقرةِ التفاعلية وللتأكدِ من تغطيةِ أهمِ الأفكار ومساهمةِ الجميع، أرجو أن لا يعتمدُ السادةُ الحضور على الذاكرةِ فقط وإن تيسر أن يتمَ أخذَ بعضَ الملاحظاتِ اثناء الطرح حتى يتسنى لنا الرجوعَ إليها عند النقاش.

تعلمنا في معهدِنا الحبيب أنه من الهامِ تحريرَ المصطلحاتِ قبل البدءِ في الحوار. وكما يتضح من عنوانِ الفقرة لدينا مصطلحان : المنهجيةَ والمفكرَ. وما نعنيه هنا بالمنهجية هو مجموعةُ القواعدِ العامةِ والخطواتِ والقوانينِ المنظمة التي تحكمُ عملياتِ العقل خلال البحثِ والنظرِ في مجالٍ معين. أما المفكر فهو - كما يعرفه أستاذنا د/ عبد الكريم بكار – شخصٌ من صفوةِ الناس، يحاولُ توفيرَ أسسٍ لقراءةِ الماضي والاستفادةِ منه كما يحاولُ توفيرَ قواعدٍ لفهمِ الحاضرِ واكتشافِ العلاقاتِ بين القوى المؤثرةِ فيه وهو في ذلك يتردد بين صناعةِ المفاهيم وبلورةِ الرؤى واستخلاصِ العبرِ وكشفِ السنن ..وبين إصلاحِ الواقعِ وتشخيصِ الأزماتِ التي يعاني منها الناس[1] وعليه فمنهجيةُ المفكرِ هي مجموعةُ الخطواتِ الحاكمةُ لعقلِ المفكرِ عند قراءتهِ للماضي واستخراجهِ للعبرِ منها وعند تطبيقهِ لأفكارهِ في الواقعِ بهدف إصلاحِ الأزماتِ وعند صياغتهِ للرؤى التي تمكنهُ من استشرافِ المستقبل .

وفي ضوءِ هذا التعريف يمكننا الخروجَ بعددٍ من الأسسِ التي تلزمُ المفكرَ للوصولِ إلى منهجيةٍ سليمةٍ للتفكيرِ أول هذه الأسس هو المرجعية.

المرجعية : هي مجموعةُ المبادئِ التي ترشدُ إلى ما هو صوابٌ وما هو خطأ وهي أصلٌ كليٌ جامع يُرجعُ إليهِ في حالاتِ الخلافِ والنزاع. وعادةً ما تكونُ المرجعيةُ مرجعيةً دينيةً أو فلسفية كما أنها قد تحوي قيماً ومبادئاً نابعةً من الهويةِ أو العاداتِ الموروثة. والتزامُ المفكر بمرجعيةٍ واضحة يمنعُ تناقضَ الأفكارِ وتداخلَها كما أنه يشكل إطاراً يُسهِّلُ على المتلقي تناولَ الفكرةِ من خلاله. ويرى الدكتور عبد الكريم بكار[2] أن المرجعيةََ وبخاصةٍ المرجعيةَ الإسلامية – أو ما أسماه بالمنهجِ الرباني كإطارٍ للتفاعلِ الثقافي - يؤمِّنُ تواصلاً ثابتاً بين الأجيالِ وأن الافتقارِ إليها يهدرُ الكثيرَ من الطاقاتِ في مناجزاتٍ ومناحراتٍ ثقافية.

ثاني الأسس هو المسئوليةُ الأخلاقية : فالمفكرُ على درجةٍ كبيرةٍ من المسئوليةِ تجاه عقلهِ وكلماتهِ ومستمعيه. وهي مسئوليةٌ نابعةٌ من دَورِ المفكرِ الإصلاحي. وكما يقول  الدكتور عبد الحميد أبو سليمان[3] فالمسئوليةُ الأخلاقيةُ هي ضمانٌ لاستقامةِ الفكرِ الإسلامي الصحيح وهذه المسئولية تقتضي ألا يقبلَ المفكرُ المسلمُ إلا أن يسعى بالحقِ والعدلِ والخيرِ والإعمارِ وكما يقال فسادُ العالِم يمكنه أن يفسد عالَماً.

 أما ثالث الأسس فهو أصالةُ الفكرة ولمصطلحِ الأصالةِ عدةُ معانٍ، فقد يستخدم المصطلح للتعبيرِ عن القِدمِ أو الأصالةِ التاريخية أوعن الإبداع. إلا أن ما نعنيه هنا بأصالةِ الفكرة هو أن تتسقَ الفكرةَ مع سلوكِ المفكرِ وتوجهاتِهِ أوكما عبَّر عنها د/ عدنان إبراهيم هي إنسجامُ الفكرةِ وملاءمةُ غاياتِها مع سلوكِ المفكر[4] إذ أن فقدانَ هذا الاتساق قد ينفرَ المتلقي من الفكرةِ ويفرغها من مضمونِها.

ورابع الأسس هو الرؤية النقدية : فإذا ما رجِعنا لتعريفِ المفكر نجد أن المفكرَ ينظرُ في الماضي ويستخلصُ منه العبر وينظرُ في الحاضرِ كذلك فيحدِدُ مشكلاتِه وبواعثَها ولا يتأتي ذلك إلا من خلالِ تمتعهِ برؤيةٍ نقديةٍ سليمةٍ لا تتعاملُ مع المعلوماتِ السطحيةِ وتتناولُها بالنقلِ والشرحِ فقط بل تستطيعَ أن تنفذَ للجذورِ وأن تُعملَ فيها التصنيفَ والتحليل ، فتُحدد الثوابتِ والمتغيراتِ وتُظهرَ مناطقَ الخلل وإمكاناتِ التطويرِ والتحسينِ

والأساسُ الخامسُ هو الإنفتاحُ المعرفي فلكي يصلُ المفكرُ لرؤيةٍ نقديةٍ واضحةٍ يَلزَمُهُ الإنفتاحَ على الأفكارِ الأخرى المشابهةِ والمعارضةِ والمضادة وأن ينصتَ لها ويتفهمَها ويحاورَها[5]. وأن يقارنَ فكرتَه بالفلسفاتِ والدياناتِ والمرجعياتِ الفكريةِ الأخرى وبالسياقِ التاريخي. فالإنفتاحُ على الأفكارِ الأخرى يوسِّعُ المداركَ ويمنعُ قولبةَ الأفكار وتكوينَ الأصنامِ الفكريةِ والعقائدية، كما أنه يفتحُ مجالاً للتساؤلِ ويفتحُ أبواباً للتحدي والنقاش.

الأساس السادس هو مراجعةُ الأفكار وتنقيحُها : فانفتاحُ المفكرِ على الثقافاتِ المختلفة يتيحُ له الفرصةَ لمناقشةِ أفكارِه وتقييمِها ومن ثَّم تشذِيبِها وتنقِيحِها. وهذه الخطوةُ هي خطوةٌ هامةٌ في منهجيةِ المفكرِ لما تقدمه من تجديدٍ للفكرِ وتنقيةٍ من الشوائبِ ولعل لنا في هذا أسوةٌ بالدكتور طارق البشري إذ يتحدث عن مراجعتِه لأفكارِه فيقول "....كنتُ أحتشدُ لكلِ دراسةٍ منها، أقرأُ وأطيلُ التفكير، وأجدُ عناصرَ في تفكيري السابقِ تذوي وتتحللُ وأخرى تبدو" ويستطردُ فيقول "ومن خلالِ هذا الجهدِ وهذه العمليةِ حدثَ عندي الإحلالُ الفكري بين ما ذوى وتحللَ من أصولٍ فكريةٍ كانت تشدُني، وبينَ ما قامَ واستقامَ من أصولٍ فكريةٍ أخرى أجرى علي دربِها اليوم"[6]

والعنصرُ السابعُ لدينا اليوم هو المعاصرة : إذ أنه من العبثِ أن تدورَ الأفكارُ حولَ قضايا باليةٍ قديمةٍ، فالفكرةُ الناجحة هي فكرةٌ ملائمةٌ للظرفِ التاريخي الذي أفرزت فيه والمفكرُ هو مراقبٌ متصلٌ بالواقعِ ومحللٌ له ، مطلعٌ على تحدياتِه ومستجيبٌ لها وكما يقول د/ طارق البشري[7] فأَثَرُ الدعواتِ والمذاهبِ يُقاسُ بمدى قدرتِها على الاستجابة للتحدياتِ التي واجهت الجماعةَ في ظرفٍ ما

العنصرُ الثامنُ هو شموليةُ مجالِ الفكر فتأثرُ المفكرِ بالتحدياتِ المحليةِ واستجابتهِ لها يجبُ ألا تكونَ حاجزاً يتوقفُ عندَه ويحُدُّ مجالَ أفكارِهِ داخل أسوارِه، بل من الواجبِ أن يتجاوزِ المكانَ فتكونَ رؤيتهُ شاملةٌ يمكنُ تطبيقُها في بقاعٍ عدة كما يجبُ أن تتجاوزَ أفكارُهُ الفترةَ الزمنيةَ الراهنةَ فتصلحُ للمستقبلِ أو كما يقول الدكتور محمد أحمد الراشد[8] أن يكونَ المفكرُ فوقَ المكانِ والزمانِ.

وتاسع الأسس هو الاستقلالية : وهي أن يكونَ للمفكرِ رؤيتُهُ الخاصة وطرحُهُ القائمُ على منهجٍ عمليٍ يتضحُ فيهِ المقدمةُ ومراحلُ التحليلِ والاستنتاج. فقد يشتركُ المفكرُ في مذهبٍ أو فلسفةٍ معَ من سبقَه، إلا أنه يعيدُ النظرَ فيما يعرضُ له من قضايا ويستعينُ بقراءاتهِ وخبرتهِ ورؤيتهِ النقدية ليدليُ بقولٍ فصلٍ في المسائلِ الجديدةِ التي يعانيها المجتمعُ سواءاً من نواحٍ سياسيةٍ او اجتماعيةٍ أوغيرها وأن يبذلَ في ذلك من الجهدِ بحيثُ لا جهدَ بعدَ ذلكَ كما يقول د/  الراشد[9].

والأساس العاشر هو الوصولُ للمعلومة : يختلفُ المفكرُ عن العالِمِ برحابة المجال الذي يتحرك فيه، فقد يصنف المفكرين – مجازاً – إلى مفكر سياسي ومفكر إسلامي أو مسيحي وغيرها من التسميات، إلا إنه في الواقع تتقاطع دوائر هذه المجالات الفكرية وتتداخل بصورة كبيرة بحيث لا يكون هناك غنىً للمفكر السياسي أن يحتاج لمعلومات اقتصادية ولا غنىً للمفكر الديني أن يستعين بمعلومات اجتماعية أو تاريخية، وهكذا فالعلوم الإنسانية علوم مترابطة وعلى المفكر أن يكون على دراية بمعلومات شتى في مجالات مختلفة، ولما كان من المستحيل الإلمام بالعلم كله فعلى المفكر أن يعرف الطريقة والمنهجية للوصول إلى المعلومة الصحيحة[10]

الأساس الحادي عشر هو التثبت من العلم : وكما يلزم  المفكر منهجية للوصول للمعلومة، يلزمه كذلك منهجية للتثبت منها، ففي عصر الإنفجار المعلوماتي الذي نعيش فيه، قد يكون من السهل الوصول إلى معلومة ما بفضل التقنيات الحديثة، إلا إنه كما لهذه التقنيات من فضل في تسهيل نشر المعلومات والحصول عليها فلها أيضاً دور في خلط المعلومات ودس بعضها بحيث أصبح من الصعب التمييز بين الحقيقي والموضوع وعليه فعلى المفكر التثبت من المعلومة قبل البناء عليها وذلك عن طريق الرجوع إلى المصادر الأصلية قدر المستطاع.

وأخيراً نطرح الأساس الثاني عشر وهو التأمل والروية: طريق الفكر طريق طويل ويلزمه العلم والمثابرة على تحصيله. وهنا يقول د/ محمد الراشد[11] أن الإنسان لا يكون مفكراً حتى يكون مخضرماً والمخضرم هو الذي مر بتجارب متعددة كما يقول د/خالص جلبي[12] أن النضج المعرفي يحتاج إلى ثلاثين سنة : عشر سنوات يقرأ فيها المفكر 300 كتاب من ذخائر الفكر الإنساني، تليها عشرون سنة يستخدمها المفكر في ملء الثغرات المعرفية وذلك عن طريق تحديده لأماكن القصور المعرفي لديه والبحث والقراءة فيها..بعدها يمكنه أن يبدأ بالكتابة وذلك بعد قراءة 5000 كتاب.


تناولنا فيما سبق بعض النقاط التي نرجو أن تكون قد فتحت لكم نافذة لمعرفة ما هي الأسس المطلوبة لوضع منهجية للمفكر وما قدمناه من طرح هو بحث فردي قائم بالأساس على آراء عدد من المفكرين البارزين في العالم العربي وهو محاولة مبدئية في هذا الباب ويعوزه المزيد من البحث  والتحقيق وعليه سنفتح باب النقاش حول ماذكرنا من أسس حتى نعمق الفكرة ونستزيد من إسهاماتكم في إثراء هذا الموضوع ونصحح ما بالطرح من ثغرات لنصل إلى صورة أوضح لأسس منهجية المفكر.

مدة النقاش 25-30 دقيقة والمخطط له أن يكون النقاش في الأساس بين السادة الحضور مع تدخل بسيط من جانبي إذا لزم الأمر. ونظراً لتعذر إعطاء الميكروفون للسادة الحضور، أستأذنكم في أن تقدموا اسهاماتكم كتابة سواءاً على صورة أو إجابات وملاحظات، على أن يوضح من يريد التعليق اسم الزميل الذي يرد على سؤاله أو يعلق على ملاحظته. وسأقوم بقراءة الأسئلة والإجابات عليها حتى يتسنى تسجيلها صوتياً ضمن فعاليات المؤتمر. فهل تتفقون معي على هذه الآلية ؟

بسم الله نبدأ وفي انتظار اسئلتكم



أسئلة للنقاش :

كيف يمكن التأكد من صحة المرجعية؟

تتغير القناعات بمرور الزمن وتغير الأحداث، فكيف يمكن أن نفرق بين المفكر المتسق مع أفكاره والذي قد يتغير تبعاً لتغير رؤيته وغيره ممن يتلون حسب الأجواء؟

هل تتعارض شمولية الأفكار مع الهوية؟

هل يمكن أن يصدر فكر دون تحدي معاصر؟ هل يجب البحث عن تحدي في حالة حدوث ركود فكري؟

هل نملك من الوقت والجهد ما يكفي لنصبح "مخضرمين"؟

إلى أي مدى يمكن للمفكر الرجوع إلى فلسفات سابقة والاعتماد عليها دون تقديم جديد؟





[1]  د/ عبد الكريم بكار ، تكوين المفكر
[2]  عبد الكريم بكار، تجديد الوعي
[3]  عبد الحميد أبو سليمان في كتابه قضية المنهجية في الفكر الإسلامي
[4]  د/ عدنان إبراهيم ، فيديو دعوة للخروج من الأطر الذاتية
[5]  د/ محمد أحمد الراشد، فيديو صناعة المفكر
[6]  طارق البشري: في المسألة الإسلامية المعاصرة – بين الإسلام والعروبة
[7]  طارق البشري: في المسألة الإسلامية المعاصرة – بين الإسلام والعروبة
[8]  د/ محمد أحمد الراشد، فيديو صناعة المفكر
[9]  د/ محمد أحمد الراشد، فيديو صناعة المفكر
[10]  د/ محمد أحمد الراشد، فيديو صناعة المفكر
[11]  د/ محمد أحمد الراشد، فيديو صناعة المفكر
[12]  د/ خالص جلبي – قوانين الثقافة والبناء المعرفي

الأحد، 9 ديسمبر 2012

ولذلك خلقهم - بحث في الدعائم الفكرية للاختلاف


تعريف الاختلاف

الاختلاف هو عدم الاتفاق أو عدم التساوي[1]. وقد ورد لفظ الاختلاف أكثر من مرة في القرآن الكريم تارة بمعنى التباين والمغايرة " فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ"[2] وتارة أخرى بمعنى التنوع " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ.وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ "[3].

والاختلاف سنة كونية، فالله هو الواحد والوحدة مقصورة على ذاته الكريمة وما دونه من خلق ومخلوقات متعدد في الأنواع والأشكال والصفات والطباع.  وعليه فالاختلاف فطرة وطبيعة في البشر وهو ما تخبرنا به الآية الكريمة " وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاّ مَن رّحِمَ رَبّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ "[4] ويفسرها صاحب المنار بقوله : "خلقهم مستعدين للاختلاف والتفرق في علومهم ومعارفهم وآرائهم وشعورهم وما يبتع ذلك من إراداتهم واختيارهم في أعمالهم ومن ذلك الدين والإيمان والطاعة والعصيان"[5]

وبغير الاختلاف لكان الناس بعقل رجل واحد ولما تمايزت الأمم مما يعطل شريعة الله واستخلاف الإنسان في الأرض .وفي هذا يقول سيد قطب مفسراً لقوله تعالى  "  وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ "[6] : "إن من طبيعة الناس أن يختلفوا لأن هذا الاختلاف أصل من أصول خلقتهم يحقق حكمة عليا من استخلاف هذا الكائن في الأرض والاختلاف في الاستعدادت والوظائف ينشئ بدوره اختلافا في التصورات والاهتمامات والمناهج والطرائق ولقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ولولا طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها ان تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع فتنفض عنها الكسل والخمول وتظل أبداً يقظة عاملة مستنبطة لذخائر الأرض وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء"[7]

إلا أنه ليس كل الاختلاف محموداً فهناك من الاختلاف ما يوحي بالتكامل والتناغم وغيره مما يدفع للشقاق والنزاع. وللاختلاف المحمود شروط ودعائم بمراعاتها يتحقق الهدف من التدافع ويتم عمران الأرض وبدونها يتحول الاختلاف إلى نقمة تسعى لإقصاء وإفناء الآخرين في تعصب وجاهلية تحت ستار امتلاك الحقيقة أو في أحسن الفروض البحث عنها.

وفي بحثنا محاولة لاستنباط الدعائم الفكرية للاختلاف من النصوص القرآنية وصحيح السنة ونستعين فيه بسيرة الصحابة والأئمة وتفاسير العلماء وطرحهم في هذا المجال.

الدعائم الفكرية للاختلاف

1-       الاختلاف في الفروع :
أول الدعائم أن أن يكون الاختلاف في الفروع وليس في الأصول، وقد عرف الإمام أبو حامد الغزالي الأصول بأنها ثلاثة : "الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وماعداه فروع"[8] وأضاف ابن عاشور إلى هؤلاء ما اجتمع عليه الناس أنه من أصول الدين وذلك في تفسيره للآية : "
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ "[9] حيث قال "وتفريق دين الإسلام هو تفريق أصوله بعد اجتماعها...... وأمّا تفريق الآراء في التّعليلات والتَّبيينات فلا بأس به، وهو من النّظر في الدّين: مثل الاختلاف في أدلّة الصّفات، وفي تحقيق معانيها، مع الاتّفاق على إثباتها. وكذلك تفريق الفُروع: كتفريق فروع الفقه بالخلاف بين الفقهاء، مع الإتّفاق على صفة العمل وعلى ما به صحة الأعمال وفسادها. كالاختلاف في حقيقة الفرض والواجب."[10]

2-       تحديد المرجعية :
فالاختلاف من غير مرجع لا يؤدي إلا إلى خلاف آخر وبتحديد المرجعية يسهل تحديد النقاط المتفق عليها والتي يمكن التعاون فيها والوقوف عندها إذا احتدم الخلاف. ومرجعية أمة الإسلام في المسائل الشرعية هي القرآن والسنة "
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ"[11]  وفيها يكون التركيز على المحكمات لا المتشابهات. أما في غيرها من شئون الحياة، فيجب أن تكون هناك نصوص أو قيم محددة يؤطر من خلالها الاختلاف.

3-       التركيز على الهدف :
كلما كبرت الغاية قل الاختلاف وكلما خلت النفوس من الأهداف الكبرى غرقت في بحور الجدل وتنازعت حول المسائل الفرعية الهامشية. عدم وضوح الهدف يؤدي إلى سلسلة لا نهائية من الجدل كذلك فالاختلاف في صغائر الأمور لا طائل من ورائه سوى إضاعة الوقت لذلك غضب ابن عمر عند سؤاله عن دم البعوض يكون في ثوب الرجل[12].

4-       بناء الاختلاف على الدليل والحجة :
تحذرنا الآية الكريمة "
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ"[13] من الخلاف غير المبني على حجة شرعية ولا على أصول صحيحة. ويدخل في ذلك من يأخذ ببعض الكتاب ويدع بعضاً أو يضخم بعض الأمور على حساب بعضها الآخر ولهذا قال الله سبحانه "زبرا" إشارة إلى التنازع المبني على الادعاء العلمي أو الركون إلى اصل صحيح لكن أسيء أو تجوز به حده[14]

5-       الأخذ عن أهل العلم :
لا يؤخذ العلم إلا ممن تحقق منه، وشروط العالم أن يكون : عارفاً بأصول العلم وما ينبني عليه، قادراً على التعبير عن مقصوده فيه، عارفاً بما يلزم عنه ، قائماً على دفع الشُبه الوارده فيه. غير أنه لا يشترط السلامة عن الخطأ البتة ولا يقدح في كونه عالماً ولا يضر في كونه إماماً يقتدى به.[15] ويجب أن ننأى بمن ليس من أهل العلم عن الدخول في مسائل الخلاف والترجيح بين الأقوال تحقيقاً لأمر الله تعالى "ولا تقف ما ليس لك به علم"
[16]

6-       الوضوح والدقة في العبارات:
هناك من الألفاظ ما يختلف معناه باختلاف السياق ومثال ذلك كلمة "كفر" التي وردت في القرآن الكريم بمعنى جحود وجود الله أو جحود الأنبياء والرسالة وساقها الرسول عليها الصلاة والسلام بمعنى النكران في قوله "يكفرن العشير"[17] . وعليه يجب الالتزام بمعان واضحة ومتفق عليها للعبارات، كما يجب التعويل على المفاهيم المصرح بها وليس على النوايا الخفية وراءها أسوة بحديث الرسول الكريم "أفلا شققت عن قلبه"[18]

7-       رجحان أحد الآراء لا ينفي الحكمة عن الآخر:
ويخبرنا بذلك القرآن الكريم في سورة الأنبياء : "
فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا"[19] فالآية تدلنا على صدور حكمين – كليهما صواب – إلا أن الأول راعى العدل فقط بينما أضاف الآخر إلى العدل البناء والتعمير فكان أولى دون نفي الحكمة عن الأول[20]. وعلى غرار هذا قال عمر بن الخطاب : "ليس هناك رأي بأدلى من رأي وليس هناك فهم بأدلى من فهم حتى لو كان رأي عمر ورأي زيد بن ثابت"[21] . وعليه يجب احترام الرأي الآخر واحترام صاحبه وعدم تحقيره أو السخرية منه ويرشدنا لذلك نبي الهدى بقوله :" بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"[22]

8-       الاختلاف لا يفسد للود قضية :
وتسليمنا بما سبق يقودنا لرفض أن يتحول الاختلاف إلى نزاع. فقد قال الله عز وجل
" وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ"[23] ذلك أن يكون الحق هو هدف الاختلاف وليس العصبية أو الهوى وقد اختلف عمر وابن مسعود في 100 مسألة وما نقص من حب أحدهما لصاحبه[24]، وقال أبوحنيفة : "هذا الذي نحن فيه رأي ولا نجبر أحداً عليه. إنه أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بشئ أحسن منه قبلناه"[25] وكما يصح في الأمور الشرعية، يصح أيضاً في الأمور الدنيوية، كما يقول الإمام الأصولي بن برهان : "فإن الشرائع سياسات يدبر الله بها عباده والناس مختلفون في ذلك بحسب اختلاف الأزمنة، فلكل زمان نوع من التدبير وحظ من اللطف والمصلحة تختص به، كما أن لكل أمة نوعا من التدبير يصلحهم وإن كان ذلك مفسدة في حق غيرهم"[26]

9-       الحوار بالتي هي أحسن:
قال تعالى : "
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"[27]  فعلى المخالف أن يختار أرق التعبيرات وألطفها في مخاطبة الطرف الآخر فهو أقرب إلى تأليف القلوب وأجدر أن يثير التفكر ويقود إلى الاقتناع، وقد نهى عليه الصلاة والسلام الصحابة عن تدبر القرآن إذا ما اختلفت قلوبهم " اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه"[28]

10-  الإنصاف:
وهو أن تنزل الآخرين منزلة نفسك في الموقف وله معايير وتطبيقات منها
                                  أ‌-          أن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين
                               ب‌-       أن الخطأ في الحكم بالإيمان أهون من الخطأ في الحكم بالكفر
                               ت‌-       أنه لا تأثيم ولا هجران في مسائل الاجتهاد
                               ث‌-       أن تقبل ما لدى خصمك من الحق والصواب حتى لو كان فاسقأ أو مبتدعاً أوكافراً
                                ج‌-        أن لا يكتم العالم من الحق الذي يعلمه شيئاً فإن هذا شأن أهل البدع يكتبون الذي لهم ولا يكتبون الذي عليهم
                                ح‌-        أن تلتمس العذر للمخالف إما لجهله بحقيقة ما أو لاجتهاده حسب رؤيته أو لاختلاف العلماء في موضع النقاش

11-  المعيار هو الصواب  والخطأ وليس الكفر والإيمان:
وأخيراً فإن معيار الخلاف – فيما عدا الأصول – هو الصواب والخطأ والنفع والضرر وليس الكفر والإيمان. وفي ذلك يقول حجة الإسلام الغزالي : واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلا إلا في مسألة واحدة وهي أن ينكر أصلا دينيا علم من الرسول صلى الله عليه وسلم بالتواتر لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات وفي بعضها تبديع كالخطأ المتعلق بالإمامة وأحوال الصحابة. واعلم أن الخطأ في أصل الإمامة وتعينها وشروطها وما يتعلق بها لا يوجب شيئاً منها تكفيراً....والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل"[29] ولنا في سيدنا علي بن أبي طالب أسوة إذ رفض تكفير الخوارج رغم محاربته لهم وخروجهم عليه.


[1]  انظر لسان العرب ، القاموس المحيط
[2]  الزخرف : 65
[3]  فاطر : 27-28
[4]  هود : 118-119
[5]  تفسير المنار – محمد رشيد رضا
[6]  البقرة : 251
[7]  في ظلال القرآن – سيد قطب
[8]  الاقتصاد في الاعتقاد – أبو حامد الغزالي نقلاً عن الإسلام والتعددية الاختلاف والتنوع في إطار الوحدة – د. محمد عمارة
[9]  الأنعام : 159
[10]  انظر تفسير الآية في التحرير والتنوير – ابن عاشور
[11]  الشورى : 10
[12]  أخرجه البخاري
[13]  المؤمنون : 53
[14]  كيف نختلف – د. سلمان العودة (بتصرف)
[15]  أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين – محمد عوامة
[16]  الأسراء : 36
[17]  أخرجه البخاري
[18]  رواه مسلم
[19]  الأنبياء : 79
[20]  انظر تفسير "في ظلال القرآن" للآية
[21]  نقلاً عن أدب الخلاف والاختلاف في الإسلام – عبد العزيز الشناوي
[22]  رواه أبو داود
[23]  الأنفال : 46
[24]  نقلاً عن أدب الخلاف والاختلاف في الإسلام – عبد العزيز الشناوي
[25]  نقلاً عن الإسلام والتعددية الاختلاف والتنوع في إطار الوحدة – د. محمد عمارة
[26]  نقلاً عن المرجع السابق
[27]  النحل : 25
[28]  رواه البخاري
[29]  نقلاً عن التعددية الرؤية الإسلامية والتحديات الغربية – د. محمد عمارة
المراجع :
            تفسير المنار / في ظلال القرآن / التحرير والتنوير        الإسلام والتعددية الاختلاف والتنوع في إطار الوحدة – د. محمد عمارة
            كيف نختلف – د. سلمان العودة                            أدب الخلاف والاختلاف في الإسلام – عبد العزيز الشناوي
            أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين – محمد عوامة     التعددية الرؤية الإسلامية والتحديات الغربية – د. محمد عمارة
            أدب الاختلاف – عبد الله بن بيه                            الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم – د.يوسف القرضاوي